محمد هادي معرفة

587

التمهيد في علوم القرآن

المعقول من المعقول ، لما كان الجامع بينهما أمرا معقولا كما ترى . الثالث : استعارة المحسوس للمعقول ، ومثاله قوله تعالى : بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ « 1 » والغرض من هذا إثبات الصفات المحسوسة للأمور المعقولة على جهة الاستعارة ، وبيانه هو أنّ القذف والدمغ من صفات الأجسام ، يقال : دمغه إذا هاض قحف رأسه ، وقذفه بالحجر إذا رماه به ، وقد استعير هاهنا للحقّ والباطل ، والجامع بينهما هو الإعدام والذهاب . ومن هذا قوله تعالى : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ « 2 » والصدع من صفات الأجسام ، يقال : انصدع الإبريق والقارورة ، وقد استعير هاهنا لوضوح أمر الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فيما جاء به من الحقّ وإظهار النبوّة ، والجامع بينهما هو التفرقة بين الحقّ والباطل وإزالة التباس أحدهما بالآخر . ومن هذا قوله تعالى : وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ « 3 » فالزلزلة حقيقتها هي الاضطراب في الأجسام ، وقد استعيرت هاهنا للفشل والاضطراب في الأحوال ، والجامع بينهما هو تغيّر الأحوال . وهكذا قوله تعالى : فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ « 4 » فحقيقة النبذ إنّما يكون مستعملا في طرح الشيء من أعلى إلى أسفل ، ثم استعمل مجازا على جهة الاستعارة في إلقاء ما حمّلوه من التكاليف عن أنفسهم بترك الامتثال ، والجامع بينهما هو الإعراض عمّا الزموا به من تلك الأمور كلّها ، إلى غير ذلك من الاستعارات الرائقة من محسوس بمعقول . الرابع : استعارة المعقول للمحسوس ، ومثاله قوله تعالى : إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ « 5 » فالطغيان هو التكبّر والاستعلاء بغير حقّ ، وهما أمران

--> ( 1 ) الأنبياء : 18 . ( 2 ) الحجر : 94 . ( 3 ) البقرة : 214 . ( 4 ) آل عمران : 187 . ( 5 ) الحاقّة : 11 .